• ×

02:43 صباحًا , الإثنين 13 صفر 1440 / 22 أكتوبر 2018

قراءة في مجموعة "دخان الأحلام" للمهندس عبدالله عبد المحسن الشايب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
علي الزهراني - بث: 
عشت معه في تفاصيلها ، هل هو سعي مني لمقاربة الأحداث ؟ أم خفيّ ظل في ذاكرتي عن تشابهها؟ أم رديف رومانسي لزمن يسكننا؟
هل فعلا عندما قرأت " في البدء جدي" كنت فقط اود الإستمتاع ؟ او اود ان اعرف ماذا سطر القاص صلاح بن هندي في اصداره "دخان الأحلام ".

أخذتني سطور تلك القصة بعيدا غائرة في الزمكان وقد أرخت سدول خمريتها عليّ لأستكمل قراءة الكتاب .

لم يكن هذا مدخلا بالمعنى الموضوعي لكن تعبيرا عن مقدار الأثر الذي تركته .

في الجنس السردي للقصص القصيرة هناك اسس تقليدية بدءا من المقدمة وانتهاءا بالخاتمة مرورا بالحبكة ، ومع أن هذا التقليد انكسر امام معطيات التحديث في هذا الجنس ، الا ان ثمة أمور متعلقة بالقصة القصيرة اقتدار القاص يستطيع من خلالها اسقاط فنه في حروفه وجمله واحداثه وشخوصه وامكنته ليصل لغرضه .

ثمة تنوع في القصة القصيرة ايضا يفرضها واقع القاص ومخيلته وثقافته ومعالجاته وايضا استخدام اسلوبه . وهنا يكمن التميز والإشارة بالإصبع لهذا او ذاك وصولا لمعاني الإبداع .
االدكتىور محمد القربني عالم التاريخ يشير الى توجه في الإستفادة من القصة والرواية كمعلومة مضافة وقرينة لسجل تاريخي ، وهذا القول منطبق على المفهوم الإجتماعي والإنساني وغيره .
واذا كان القاص ناصر الجاسم الذي وضف الأسطورة الحساوية داخل قصصه او القاص حسين العلي الذي بلور قصصا من خلال منظور محيطه الإجتماعي او تلك الصور االبنيوية التقليدية التي منحتها قصص القاص حسن الأحمد او تلك السرديات للقاص حسن الشيخ في اطارها الحضري الشمولي. فإن القاص صلاح بن هندي اختط بقصصه منهجا منعكس من دلالات معرفية و هو أمر اضفى على القصة معارف ضمنية،

و جاء كتاب دخان الأحلام ليضم اثني عشر قصة في 142
141 صفحة من القطع الصغير
من اصدارات نادي الأحساء الأدبي
وجاء الغلاف منتصفا ابيضا وجزءا يزخر بألوان الطيف مختلطة تنحو الى السريالية في خلفية داكنه (لتحاول التوافق مع العنوان "دخان الأحلام"

والعنوان هو اختزال لمجمل عناوين القصص التي تفترض زمنا رحل و هو جزء من عنوان قصة "الصدف و دخان الأحلام "

اقتدار السارد (بن هندي) ان يمنح المتلقي صفة المستمع مع انه يقرأ ، اللغة القريبة واللغة التي ينشؤها الحدث بتفاصيله وحركته لتشكل صور مرئية أمام المتلقي فيمضي متنقلا بين المفردات والجمل لتشكل المسار القصصي حتى النهاية
.
اعتمد القصص على تهيئة المتلقي قبل الإدلاف الى حبكتها او قبل حتى معرفة العقدة ، هذا النوع من التهيئة فرضه واقع المكان والمكين و وضعه ضمن اطاره المتيقن ليصب في مسرب القصة .
ففي "من خلف اللثام ": الليل يحتضن سماء االحارة الصغيرة ، فتبدو النجوم اجمل ماتكون ، يتوسطها بدر جميل ، ظل يشارك بنوره الفضي تلك الإضاءة المعلقة على جدران بيت الجيران ، فتزداد حارتنا تألقا وروعة .
وفي "مأساة القط البشري " :كعادتي كل مساء ، افتح نافذة غرفتي التي تطل على الشارع ، فأستنسق الهواء ، واسمع اصوات الرائحين والغتدين ، كنت تعودت أن امسك بكتاب اقرأه ،و الكرسي يتأرجح بي مرة الى الأمام و مرة الى الخلف .

الخاتمة وبقدر مستوى الإثارة في داخل القصص أتت لتسكن ولهْ المتلقي بأن اطلالة القصة انتهت ، فد تحمل رأيا او حكمة او مخرجا لا يساهم في استطراد خيال المتلقي الى ابعد من مراد القصة وابقاء معالجتها في ذهنيته

ففي "صديق شمس المعارف":
و هاهي ذي اصوات الكلاب تقترب من المكان ، وداعا ياصديقي العزيز ، فإنني اسمع صوت أحدهم يقترب من هنا .
وفي " : ما أقلقني كثيرا هو سؤال كان يتردد علي ويرن في أذني : ترى هل كان لي يد في موت أبي وحمارنا العزيز ..؟!.

مع ان القصص حاكت تجربتها من الموروث الا انه صاغها بلغة الفصحى ، فهل اثر ابتعاده عن استخدام تعابير ومصطلحات زمانها على انعكاسها بدلالة المكان ؟ مثل الحارة قابل الفريج والجذع قابل الجدع

ثمة استخدام لأسماء شخوص مثل فتحية ،مختار ،عارف،سليم ، احمد،عبدالرحمن ،وبعض اماكن مثل المبرز ،شارع كرم .

هل كان الكاتب يوارب ام يقارب رؤيته ليتمكن من مدلوله الإنساني والحياتي والعلاقات داخل القصة لتعبر بذاتها؟

الجاذبية التي تمنح القارئ ايحاءات مستدلة بعناصر تتأتّى في آن واحد ، تساهم في فهم الحراك باستدلال مرة أخرى الزمكان
ففي " عين على الأمس واليوم : جذوع السقف السوداء
تعلق مصباح كان
ارضية الدار مفروشة بالرمل
حصير اشتراه جدي

وفي " المواجهة ":
السرير غير مرتب وبجانبه الأبجورة فستقية اللون
خزينة الملابس مفتوحة الأبواب
بعض الكتب مبعثرة على الطاولة البيضاء الدائرية .

القصص ثرية في حضور ثقافة الكاتب من المصدريات التي تعطي انطباعا بتلك الثقافة المتعددة وارهاصاتها في حالة بينية قد تكون فجوة زمنية واحيانا فكرية في التعاطي مع مخرجات القصة.
و ورود اسماء كتب مثل أصل الأنواع ،هكذا تكلم زرادشت ، الإلياذة،الغثيان، رواية المسخ، سارة،الامنتهي
واسماء شخوص مثل
كاكا، زرادشت ، العقاد،فرويد

نجح القاص " بن هندي " في اثارة المتلقي في اضفاء الصورة الأسطورية وفي ملامسة الواقع المعاش، هذا النجاح الذي نقله دون ان يسيطر مفهوم الأيدلوجيا او التصحيح او محاولة الظهور المغلوط عن الواقع ، ليكون اقرب في تشكيل الحدث ومصداقه .ولعل قصة من خلف اللثام مصداقا لذلك

إنه بهذا المدخل اي القاص يكون سجل بصمة في جنس السرد القصصي وليؤكد ألأثر المثيولوجي ، والذي صبغه بعينات فلسفية عند تفسير الحدث

هذا الكتاب لا يمكن الوقوف عنده بإعتباره كتاب قصة قصيرة بل ان البعد المعرفي والتاريخي والإجتماعي بما فيه من جانب تسييس وبما فيه نكهة الموروث اعطاه ابعادا اخرى كسجل .

و لما كان الكاتب القاص الأستاذ صلا ح بن هندي من أهالي المبرز بالأحساء وبخلفيته الإجتماعية والثقافية والفكرية فقد صب جانبا من رؤاه الفلسفية ( وهو أحد من يشار اليهم بذلك) وانعكس عشقه لتتبع الأسطورة و ماهيتها وتشكيلها للإنسان على نسيج قصصه في الإصدار.

كتاب دخان الأحلام للقاص صلاح بن هندي اضافة نوعية في مشهد الفكر الأحسائي و لقراء العربية
 0  0  
التعليقات ( 0 )

القوالب التكميلية للأخبار